شمس الدين السخاوي

17

السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم

لأنفسهم لا يعد سعياً في الحظ ؛ إذ للقصد إليه أثر ظاهر ، وهو أن يؤثر الإنسان نفسه على غيره ، ولم يفعل هنا ذلك ، بل آثر غيره على نفسه ، أو سوَّى نفسه مع غيره ، وإذا ثبت ذلك كان هؤلاء بُرءاء من الحظوظ ، كأنهم عدُّوا أنفسهم بمنزلة من لم يجعل له حظ ، وتجدهم في الإجارات والتجارات لا يأخذون إلا بأقل ما يكون من الربح والأجرة ، حتى يكون ما حاول أحدهم من ذلك كسباً لغيره لا له ، ولذلك بالغوا في النصيحة فوق ما يلزمهم ؛ لأنهم كانوا وكلاء للناس لا لأنفسهم ؛ فأين الحظ هنا ؟ بل كانوا يرون المحاباة لأنفسهم وإن جازت كالغش لغيرهم ؛ فلا شك أن هؤلاء لاحقون حكماً بالقسم الأول ، بإلزامهم أنفسهم لا باللزوم الشرعي الواجب ابتداءً . - ومنهم من لم يبلغ مبلغ هؤلاء ، بل أخذوا ما أذن لهم فيه من حيث الإذن ، وامتنعوا مما مُنعوا منه ، واقتصروا على الإنفاق في كل ما لهم إليه حاجة ؛ فمثل هؤلاء بالاعتبار المتقدم أهل حظوظ ، لكن مأخوذة من حيث يصح أخذها ، فإن قيل في مثل هذا : إنه تجرُّدٌ عن الحظ ؛ فإنما يقال من جهة أنهم لم يأخذوها بمجرد أهوائهم تحرزاً ممن يأخذها غير ملاحظ للأمر والنهي ، وهذا هو الحظ المذموم ، إذ لم يقف دون ما حد له ، بل تجرأ كالبهيمة لا تعرف غير المشي في شهواتها ، ولا كلام في هذا ، وإنما الكلام في الأول ، وهو لم يتصرف إلا لنفسه ؛ فلا يجعل في حكم الوالي على المصالح العامة للمسلمين ، بل هو وال على مصلحة نفسه ، وهو من هذا الوجه ليس بوال عام ، والولاية العامة هي المبرأة من الحظوظ ؛ فالصواب - والله أعلم - : أن أهل هذا القسم معاملون حكماً بما قصدوا من استيفاء الحظوظ ؛ فيجوز لهم ذلك بخلاف القسمين الأولين ، وهما من لا يأخذ بتسبب أو يأخذ به ، لكن على نسبة القسمة ونحوها . * أهمية التفصيل في التفضيل وثمرته : فتأمل هذا الفصل ؛ فإن فيه رفع شبه كثيرة ترد على الناظر في الشريعة وفي